السبت , 24 يونيو 2017
آخر الأخبار
تدوينة “تسعةٌ وعشرون يومًا“ الجزء الأول والثاني

تدوينة “تسعةٌ وعشرون يومًا“ الجزء الأول والثاني

                                                                       غيابات الجب
جدران سوداء خشنة، بينها ثلاث خطوات، ضوء أحمر خافت، بطانية خفيفة السمك، رائحتها نتنة، ولباس بني داكن، وفي أعلى السقف شفّاطان، الأول لإدخال الهواء والآخر لإخراجه، هواؤه بارد جدا، بابٌ حديدي مصفح وثقيل يعمل بالكهرباء…

هذه زنزانتي التي عشت بداخلها تسع وعشرون يوما، بعينين تتأملان إحدى هذه الجدران، الذاكرة تخترق المكان لتصبح بين من أرادت بشطحات الخيال، عاد بي التفكير إلى ليلة الاعتقال، ماذا حدث؟

كان السرير دافئا في ليلةٍ باردة ألتحف غطائي جيدا، أسمع زخات المطر تتعالى ضرباتها، اندمج صوت المطر فجأة بصوت خطواتٍ تقترب من نافذة الغرفة، كلماتٌ بالعبرية، أضواءٌ تخترق النافذة، دقات قلبي علا صوتها، حُوصر المنزل وكادوا أن يخلعوا الباب ببساطيرهم، ازداد الفراش دفئًا كأنه يقول وداعا، ردت عليهم أمي: “شو في؟ انتظر حتى أضع المنديل على رأسي”.

فتحت الباب قائلة: “ايش في صرعتونا شو بدكوا!!!”.

– أنا الضابط شوقي، أين أحمد؟

-أمي: انتظر حتى أوقظه من نومه..

لكنه لم ينتظر… اقتحم الجنود المنزل خلفها وصولا إلى غرفتي قالت أمي: “قوم يا ابني الجيش على الباب بدهم إياك”.

ما زلتُ محتضناً فراشي الدافئ ، قاموا بتفتيشي وعاثوا بالمنزل خرابا، لم أستطع أن أبدل ملابسي قاموا بسحبي خارجا والأمطار تتساقط وأنا لا أرتدي سوى ملابس خفيفة، جسدي يرتعش من برودة الجو، قام الجندي بسحبي وتفتيشي مرة أخرى قيد يديّ للخلف، ضغط عليهما كثيرا حتى أحسست أن أحد الشرايين قد ينفجر، أغمضَ عينيّ وصعدنا إلى الجيب العسكري.

لم أعرف الى أين، لم أسمع إلا صوت محرك الجيب، كنت قد أحسست بالطرقات التي أعرف حفرها ومزالقها جيدا، فهي كانت تدلني أين نحن الآن!! افترقنا إلى طرق المعسكر، كأن هواء المنطقة قد تعكر بقذارة وحقد بني صهيون، في المعسكر اقتادني جنديان وأنا مقيد اليدين ومعصب العينين إلى غرفة داخل المعسكر..

رموني أرضا دون فراش ودون أن يفكوا قيدي، كنت حينها ما زلت تحت وقع الصدمة، لم أمنح نفسي وقتا للتفكير بما يجري، أي شيء هذا! ما الذي حصل؟ أهو حلم أم حقيقة؟

كنت مرهقا جدا، أغمضت عينيّ ونمت في سبات طويل لكن الجندي الذي يحرسني لم يعجبه نومي، فكان بين كل لحظة وأخرى يصدر صوتا ليزعجني، فأستيقظ وأعود الى النوم مجددا بعدها، نمت طويلا حتى الواحدة ظهرا. تساءلت لما أنا هنا وكيف وصلوا لي، رجعت في مخيلتي لتسلسل الأحداث بهدوء، لعلي أقف على أخطاء استطاعوا من خلالها الوصول الى طرف خيط، أي خيط عمّ تتحدث! أنا لم أفعل شيئا، لكنني الآن داخل الزنزانة، والمحققون يريدون أن أحاصر نفسي فكريا، ويرغبون بإرهاقي نفسيا، لأصل بالنتيجة إلى مرحلة عدم التركيز والضعف النفسي ليقتحموا دائرتي المحرمة.

من حينها أخذت عهدا على نفسي أن لا أفكر في شيء سوى الخلاص والخروج بأقل الضرر،تذكرت حينها آية ذكرني بها أحد الأصدقاء عندما يضيق الحال: “اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”، كررتها مرارا وتكرارا دون كلل أو ملل أحسست بأن طاقةً إيجابية قد احتوتني وشعرت أني أقوى من كل ما يجري.

في الساعة الثالثة عصرا اقتحم الغرفة ما يسمى “الشاباص” وحدة عسكرية لنقل الأسرى، قال: “أنت أحمد.. نعم.. يلا قوم بدنا نفتشك، لأول مرة أشعر بهذا الانكسار، أنا كما ولدتني أمي أمام خمسة من الجنود، تذكرت أن أبي قد وقف يوما ما مثل هذا الموقف وأخوتي وجميع من بداخل السجن، أحسست بانكسار أكبر، ارتديت ملابسي سريعا، وبدأت أردد اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا لأعيد بعضا من الانكسار للعزة والشموخ، انطلقنا بما يسمى “البوسطة ” وهي سيارة معدة خصيصا لنقل الأسرى.

لست أدري إلى أين، وعلى أية حال فأنا لست في طريقي لنزهة أو للبيت، تعجبت جدا من البوسطة، فمنظرها الخارجي يوحي بأنك ستدخل الى أفخم أنواع السيارات، لكني تفاجأت عندما رأيت كرسي الحديد المشبك، الذي يكاد يخترق الجسم،  وتفاجأت من سرعة السيارة خاصة على المنعطفات والمطبات كادت معدتي أن تتقطع، نظرت من شباك البوسطة الصغير الذي يعلوها، تعجبت من جمال بلادي المحتلة، وكيف سلبوا أرضنا وهجّروا شعبنا. وبلمحة سريعة رأيت قبة الصخرة المشرفة، دق قلبي فرحا، أنا في القدس! ياااه سنوات طويلة لم أرى قبة الصخرة المشرفة ولم أشتم رائحة القدس، أنا في رحلة أم ذاهب الى غيابات الجب، ولم أجعل تفكيري السحيق ينغص علي فرحتي، لقد رأيت قبة الصخرة!

توقفت السيارة فجأة الأصوات جميعها بالعبرية، أدركت أننا قد وصلنا مركز التحقيق، دخلنا الأبواب الثقيلة المقفلة واحدا تلو الآخر كأنني أدخل نفقاً تحت الارض، رائحة كريهة، وهواء رطب محمل برائحة طعام، دخلنا ممرات عدة وأنا معصّب العينين كأنها متاهة، الجندي ممسكا الكلبشات في يدي، مرة يسرع ومرة يبطئ لأتعثر به أحيانا، كان باب الزنزانة مفتوحا ينتظرني، دخلت الزنزانة رقم واحد، بدلت ملابسي بلباس السجن البني الداكن، لم أتخيل أن شكل الزنزانة بهذا الشكل، كم وصفوها لي وكم قرأت عنها لم أستطع أن أتخيلها بهذه الصورة من القذارة.

تذكرت أهلي ماذا يفعلون، أمي أبي وأخوتي! وأني لو كنت بالخارج ماذا كنت سأفعل بهذه اللحظة، سمعت حشرجة في صدري ضاقت علي زنزانتي أكثر وأكثر تعاهدت في نفسي أن لا أفكر في شيء خارج هذه الزنزانة لأخرج من هنا في أسرع وقت ممكن.

يفتح السجان نافذة الباب، أحمد.. نعم، يغلق النافذة ويفتح الباب ، يلا تعال المحقق بدو ياك،من جديد، أغمض عينَيّ، وكلبش يدَيّ، اقتادني إلى غرفة التحقيق، جلست على الكرسي الحديدي ظهره شديد الانحناء، يداي للخلف، مكلبشات بظهر الكرسي، ظهري منحنٍ كالقوس، أزال العصبة عن عينيّ ضابط يهودي أشقر طويل، ذو عينين خضراوان أصلع، وجهه يملئه النمش، ضحكته صفراء، يدعى ميرون…

(….) – أهلا أهلا أحمد.

– لم أكترث لترحيبه ولم أتفوه بأي كلمة

– شو في اشي زاعجك؟

– وأنا لا أجيب، فقط أكرر في داخلي “اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”.

– كيف كان أول يوم لك بالزنزانة هل أعجبك الوضع؟ نحن الشاباك الإسرائيلي لدنيا مميزات في زنازيننا مريحة جدا، أطلب ما تريد، أتريد شيئا محددا اطلب لا تخجل؟

– لا أريد شيئا فقط أخرجني من هنا.

ضحك المحقق كثيرًا، واستدار بكرسيه وتعالت ضحكاته أكثر فأكثر، وضرب بيده على الطاولة صارخا “أحمد هو دخول الحمام مثل خروجه”.

واستطرد قائلا: لن أطيل الحديث، سأختصر عليك مسافات طويلة وفترة كبيرة من التحقيق نحن هنا نعرف كل شيء، لكننا نحب أن نسمع منك القصة، نحن لا نحب التحدث فقط، نحب الاستماع أيضا، هيا  أحمد قل لي ماذا فعلت، أنا أنتظر الإجابة، هيا تكلم تعاون معنا قبل أن أعيدك إلى الزنزانة التي أحببتها.

– أنا لم أفعل أي شيء، إذا كنت تعرف ماذا فعلت قل لي وأنا أجيب إن كان صحيحا أم لا، أنا لا أتذكر أي شيء.

صرخ بوجهي المحقق قائلًا “أصمت أنا الذي أسأل هنا فقط”، ضرب بيده على الطاولة ووقف عن كرسيه الدائري، وبدأت شرارات الغضب تخرج من عينيه، صمت طويلا، وقال: “سأتركك تذهب إلى الزنزانة لترتاح قليلا وتفكر.

ثم اقتادني السجان وهو المعروف داخل السجن بـ”السوهير” بعد أن أغمض عيناي وأحكم وثاق يداي مرورا بنفس الممرات إلى الزنزانة.

عندما وصلت الزنزانة تفاجأت بوجود شخص بداخلها، تعجبت من يكون!… أهو أسير يمتلك الجراح ويفكر بأهله وبمصيبته كيف سيخرج من هنا، أم أنه أحد العملاء المتخصصين بالزنازين والمعروفين بالعصافير.

لم أهتم به ولم أرد عليه التحية أيضا، تمددت على فراشي القذر الذي تشعرني رائحته بالإغماء، قال الشخص الغريب داخل الغرفة: كم يوما لك هنا؟ نظرت إليه، صمتُّ قليلا ثم قلت: إنه يومي الأول.

– ياه لم تتعب بعد.. أنا هنا منذ 15 يوما، لم أتعرف إليك من أين أنت؟

– قلت في عقلي ما شأنه فليخرس.

أنت أول يوم لك هنا، هكذا يكون أول يوم قاسٍ وآثار الصدمة واضحة على ملامحك، أنا اسمي عبد الرحمن من نابلس، تركته يثرثر وحده وبقي عقلي يردد “اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”، حتى غفت عيناي، أفقت من نومي بعد وقت، وتفاجأت أين أنا؟؟

لقد كنت في المنام أرتدي ملابسي للذهاب إلى رحلة، أي رحلة هذه وأنا هنا بين أربع جدران سميكة وخشنة لا تستطيع أن تتكئ عليها،  كأني في بئر، أو في باطن الأرض لم يكن أحد في الزنزانة غيري،  أين عبد الرحمن كثير الثرثرة لم أشعر بخروجه من هنا، لقد قال لي المحقق سأدعك قليلا لتفكر هل انشغل عني أم أنه يريدني أن أحترق بالتفكير، أنا هنا أضرب أخماسي بأسداسي، لماذا هذا الهدوء!؟

أهو الهدوء الذي يسبق العاصفة، هل سأبقى أفكر هكذا حتى أضعف وأنكسر وأنفجر بما لدي، ماذا سأفعل لأخرج من هذه الدوامة وتلف الأعصاب، سأشغل نفسي بأي شيء حتى لا أفكر كثيرا، سأقوم بعد فتحات الشفاط، الهواء البارد من الخارج أم أنه يمر بمرحلة تبريد؟ هل أمطرت السماء؟ كم اشتقت إلى فراشي الدافئ، عددت الفتحات مرات عدة، ونفس النتيجة لقد فزت، إنها كثيرة جدا ومتقاربة.

فتح نافذة الباب الصغيرة شاب يرتدي البرتقالي عيونه سوداء، يسمى “المردوان” أنا اسمي رامي من شعفاط، أنا أسير مثلك لكني جنائي، تراكمت علي الديون للبنك وأنا هنا بالأعمال الشاقة، إذا أردت شيء أطرق الباب بقوة لكي أسمعك.

تحت رعاية الأسر، حان موعد الغداء.. طبق برتقالي مربع عريض، ذو ستة عيون، في العين الكبيرة  أرز أبيض متقرمش، لم يصل لمرحلة النضج بعد، وقطعة دجاج في أسفلها ريش وبداخلها الدم متجمد، كانت باردة جدا، تساءلت كم الساعة الآن، وفي أي ساعة يقدمون الغداء قدرتها الرابعة عصرا، شحنت نفسي بطاقة إيجابية بذكر الله ورددت أسماء الله الحسنى وبعض الآيات، دعوت الله بدعائي الذي تردد على لساني منذ اعتقالي “اللهم اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”.

عند المساء، فُتح الباب ببطء، أصوات مختلفة خلف الباب، أهو العشاء أم محقق أم زائر، حتى تبين لي إنه نضال، شاب هادئ في الثالثة والعشرين من العمر، يرتدي نظارات ذو لحية خفيفة وعينين سوداوين، رد السلام وتمدد على البطانية تحت الشفاط المدخل للهواء، لم يرتح من الهواء البارد  فطلب  وضع بطانيته جانب بطانيتي، أغمض عينيه وعم الصمت ساعة أو ما يزيد، ثم انفجر فجأة بالشخير، يعلو ثم يهبط انها موسيقى مزعجة، شعرت بأن روحه ستخرج من علو أنفاسه وانقطاعها، يعمل كالآلة المزعجة، لم أنم للحظة واحدة، لم يهدأ صوته إلا عندما فتح الباب الثقيل.

نودي علي: أحمد..

– نعم

– تعال يلا..

– إلى أين؟

– إلى شوارع يافا نشم الهواء، ممنوع تسأل..

– أريد أن أعرف إلى أين سأذهب،

– لا تخف لن تضيع أنت مع الشاباك الإسرائيلي.

أحكم وثاق يداي واقتادني إلى غرفة تحقيق كالسابقة، لكنها تحتوي على جهازي حاسوب، “فاكسمان” طويل وأبيض، شعره أشقر ووجهه شاحب، كأنه لم يبتسم منذ قرن، صوته عالٍ ومتعجرف، فتح الباب.

–  أتريد شيئا تشربه؟

– لا.

وقف أمامي لما يزيد عن النصف ساعة يحدق في عيني، دقات قلبي تتعالى، ماذا سيقول، لم يتحرك أي شي في وجهه، عيناه لم ترمشا ولو للحظة واحدة، قال بصوت عالٍ: أنت مخرب، أنت إرهابي، أنت مخرب كبير.. كل هذا والغضب يخرج من عينيه، جلس على الكرسي قائلا: لن أنتظر كثيرا، قل لي كل شيء فأنا أعرف كل شيء عنك، لماذا تنظر إلي هكذا هيا تكلم.

ثم صمت للحظة، سأروي لك قصة  لعلك تفهم وتتعاون معنا ونختصر الطريق الطويل، أنت يا أحمد في الصحراء، لا يوجد أحد سواك، تعبت وعطشت، وجدت بئرا من الماء ليس فيه إلا مقدار قدم من الماء، وقعت فيه وصرخت بأعلى صوتك أنقذوني أنقذوني، لم يستجب أحد، صدى صوتك يعلو ويرد في أذنيك، بعد يوم كامل لم يأت أحد وأنت تصرخ وتصرخ، سمع صوتك رجل في الجبل المقابل، أتى لينقذك لكنه وضع شرطا، أعطني ألف درهم وأخرجك من هنا، أنت رفضت لأنه مبلغ كبير، ذهب الرجل، وبعد أن ذهب لوقت طويل عدت للصراخ، في اليوم التالي عاد لكنه طلب ألفي درهم ورفضت، في اليوم الذي يليه طلب ثلاثة آلاف والذي يليه أربعة ألاف حتى قلت له خذ كل ما أملك فقط أخرجني من هنا.

وأنا لا أريد أن نطيل ونتعب ونتعبك، فقل لنا كل شيء لننهي الملف، أعدك إذا تكلمت سوف أوصي عليك بالنيابة لأنك تعاونت معنا، ماذا هل ستقول شيئا؟

– الرجل الذي في البئر صرخ ونادى بأعلى صوته أنا لم أصرخ بعد ولن تطاوعني نفسي أن أصرخ وأطلب النجدة منك

–  أنت كالطفل الصغير تعاند وتكابر وأنا أعدك بأنك سوف تأتي زحفا لتخبرني ماذا فعلت!

يتبع…

عن عبد الرحمن مهنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Translate »