الأحد , 19 نوفمبر 2017
آخر الأخبار
رسائل يحملها القمر

رسائل يحملها القمر

بقلم الدكتور جهاد حماد/ نائب عميد كلية الطب في الجامعة الاسلامية

رسائل يحملها القمر

شكرًا علي الفجرِ المطرزِ بالندى               شكرًا على الأزهارِ في الشرفاتِ

شكرًا علي فنجان قهوتِنــــــا سوا                شكرًا على الضحكات والكلماتِ

شكرًا علي قمرٍ تألــــــــق خلفنــا               شكرا على الأحضان والهمساتِ

شكرًا علي العمــــرِ المسافرِ بيننا               شكرًا بنبــــــضِ القلبِ والآهاتِ

أعادَتْ  ليلى قراءةَ القصيدةِ للمرةِ العشرين، ودموعُها تبلّلُ الرسالة. كانتْ للرسالةِ رائحةٌ أجملُ من رائحةِ الياسمين في ليالي الربيع. رائحةُ حبيبٍ غاب منذ سبع سنين. كانت تستند بظهرها علي جدار البيت القديم تنظر بشرودٍ إلى قمرِ آذار العابر بين السحاب، وبقايا نسائمِ الشتاء الجبلي البارد تلفَحُ وجهها وشَعْرَها؛ فتزيد مِنْ شعورِها الجارف بالحنين للغائِبِ خلفَ القضبان. كانَتْ توَدُّ أنْ تُحَلقَ مَعَ البلابِلِ المغردة في فناء البيت، أنْ تسيرَ حافيةٌ فوْقَ السحاب. أنْ تعبُرَ الجبالَ والسهولَ والحواجِزَ العسكرية والجدارَ العازلَ وكلَّ وسائل الحصار؛ لتصِلَ إلى زنزانته  الضيقة وتعانِقَه وتنامَ علي صدره؛ لتقول له: ” شكرًا علي هذه القصيدة الرائعة يا يوسف”. 

كان والدُها يعارِضُ هذا الزواج، فهي تَسْتَحقُّ شخصًا أفْضَلَ بكثير مِنْ مجرَّدِ مدرس مبتدئ في مدرسة إبتدائية نائية، تستحقُّ شخصًا أغْنَى وذا أصول أعرق من هذا الفتى القادِمِ من القرية؛ ليستأجِرَ شقة صغيرة في ضواحي المدينة. لكنَّها أصرَّتْ علي الزواجِ مِنْه والكل في عائلتها العريقة يَعْرِفُ أنّها إذا صمَّمَتْ على شيء فلا فائدة من النقاشِ مَعَها؛ لذا أذْعَنَ والدها لرغبتها، ولكنَّه ذكرها بأنّها ستعود إليه باكية يومًا ما؛ لتقول له: “سامحني يا والدي لقد أسأت الاختيار “. لكنَّها لمْ تعد باكية اليه، بل قضت أجملَ أربعة شهور من عمرها في شقتها الزوجية الصغيرة.

رُغْم أنّهما كانا معًا في نفس الجامعة، لكنَّهما لمْ يتحدثا معًا إلا مرةً واحدةً أو مرَّتيْن، فهي في كلية، وهو في كلية أخري.

“لم تلقي إليه وردة بيضاء من شرفة قصر

أو منديلًا مطرزًا

لكنه كان يعرف الخجل في عيون من يريد”

عندما سألَتْهُ في فترة الخطوبة  “لماذا أحبَبْتني؟” أجابها مبتسمًا  “لأنك أجمل من الجليل، وأنقي من ندف الثلج علي جبال الجولان”. وعندما سألَتْه “متي قررت أنْ تتزوجني؟”  قال مازحًا “عندما انخفضَ سعرُ الذهب” كان مزيجًا من الثورة والمرح, من الصيف و الربيع. كان واضحًا معها منذ البداية “إنّ حياتي شاقة ودربي طويل وقد ينتهي بالشهادة أو الإعتقال وأنت لم تتعودي علي المعاناة”.  لم تتردَّدْ، فقد كانت تعشَقُ التحدي، لكنَّهُ كان تحدِّيًا شاقًّا جدًّا، أقسى ممَّا تصوَّرَتْ. الإنتظار الطويل لمواعيد زيارة السجون، التعذيب علي الحواجز العسكرية اللانهائية تحت وهج الشمسِ الحارقة أو المطرِ الشديدِ أو البردِ القارص، وعندما تكونُ علي بعدِ خطواتٍ منه تُلْغَى الزيارة؛ لأسباب واهية. و في المرات القليلة التي تراهُ فيها تذوب الكلمات مع الدموع مع الأحلام.

كانَتْ تجلِدُها نظرات والدِها، وهي عائدة منهكة من الزيارة، ولسان حالِهِ يقول لها ألم أقُلْ لَكِ أنّك ستعودين باكية إليَّ. لكنّها لمْ تبكي أمامه و بقيَتْ متماسكة  صامدة. كانت الشهور الأربعة  الرائعة التي قضياها معًا تستحقُّ أنْ تصمِدَ منْ أجْلِهِ سنوات وسنوات. في ليلة العيد قال لها ” انظري من الشباك يا ليلى لقد أعدَدْت لك مفاجأة”  وعندما أطلَّتْ من الشباك، رأت سيارة جميلة ولكنَّها صغيرة، ربما أصغر سيارة في الضفة الغربية. فرِحَتْ بهذه الهدية أيَّمَا فرح، ولكنّه قطع فرحتها قائلًا ” فقط أريدُ أنْ أوضِّحَ أنّ هذه السيارة لنا نحن الاثنين” وافقت بسعادة وعندما أرادَ أنْ يضيف شيئًا ما قالت له “أرجوك لا تقلْ لي أنّ هذه سيارة العائلة ثمَّ بعدَ ذلك تقول لي أنّها سيارة الشعب الفلسطيني” وضَحِكَتْ كثيرًا كما لمْ تضحك من قبل، وعاشَتْ أجملَ ليلةِ عيدٍ في حياتها. وأثارَتْ سيارتُها الصغيرة جدًّا جوًّا جميلًا منَ المَرَحِ والمزاح بينها وبين قريباتها وزميلاتها في المدرسة، فواحدة تقول لها

 ” تتربي في عزك”

وأخري تنصحها

” في الشهور الأولى من عمر السيارة لا تعطيها بنزين. أهم شيء الرضاعة الطبيعية”

 وثالثة توجهها

 ” عندما تكبر إنْ شاء الله أدخليها كلية الطب”

وينفجر الجو بالضحك البريء. كانت حياته القصيرة معه تستحق الصمود. شيء واحد كان يقلقها هو عدمُ حمْلِها، لكنّ عمها الطبيب قال لها “ما زال الوقت مبكِّرًا يا غبية و قبل مرور سنة من الزواج لا تراجعي أيَّ أحدٍ في موضوع الحمل” لكنهم اعتقلوه قبل مرور سنة وحتى قبل نهاية أربعة أشهر. وبكَتْ كثيرًا ليلة الإعتقال، بَكْت كما لمْ تبكي في حياتها كلِّها، بكَتْ وكأنَّ حياتَها قبْلَهُ لمْ تكُنْ تستحق البكاء.

عندما أهداها مسدسًا قديمًا، عَرَفَتْ أنّ لحظةَ الفراقِ قد اقتربت. قال لها إنَّ هذا أوّلَ مسدس تدرَّبَ فيه على إطلاقِ النار. في البداية كانت تخبِّئُهُ في مَخْزَن قديمٍ في بيت والدها، ولكن بعدما اعتقلوه أصْبَحَتْ تخبِّئه تحْتَ وسادَتِها. كانت تعرِفُ أنَّ لحظة الفراقِ قد اقتَرَبَتْ أكثرَ عندما أصبَحَ يتأخرُ في العودةِ منْ صلاةِ الفجر، وعندما سمِعَتْ صوتَ اطلاقِ النَّار في المستوطنةِ القريبةِ عرَفَتْ أنّ عليها أنْ تستيقظ من هذا الحلم الجميل. وبعد شهور طويلة من الإنتظار صدَرَ الحكم القاسي، السجن لمدة خمسة عشرَ عامًا بتهمةِ مقاوَمِة الإحتلال، واختلَطَتْ عليها كلُّ المشاعر، الألَم، الخوف، والوحدة، والحزن عليها وعلى هذا البطل الذي أعْطَاها وأعْطَي فلسطين كلَّ شيء. وَبَعْدَ صدور الحكمِ حاولَ والدَهَا أنْ يقنعها بأنْ تطلُبَ الطلاق، فلماذا تَدْفِنُ شابةٌ جميلةٌ وغنيةٌ نفْسَهَا خمسة عشرعامًا مِنْ أجْلِ زوْجٍ لمْ تعشْ مَعَهُ سوى أربعة أشْهر، وحتي ليس بينهما أطفال؛ لكَيْ تصبِرَ من أجْلهم. حتى صديقاتها المقربات كنَّ يعتبِرْن وجهةَ نظرِ والدِها منطقية، وأنّه لا مفرَّ من مواجهة الحقيقةِ المؤلمةِ، بأنَّ هذا الزواجَ قد مات، أو في طريقِهِ للموت. وبَكَتْ لياليَ طويلةً، وهي تفكِّرُ في ماضيها ومستقبلها. ولكنَّها لمْ تَسْتَسْلمْ، وتمَسَّكَتْ بالحبِّ وبالأمل.

وذاتَ يومٍ وفي حفلِ زفافٍ لإحدي قريباتها عادَتْ إليها ذكريات زواجها، وابتسمت رُغْمَ الدموع التي سالَتْ من عينيْها، وهي تتذكَّرُ زوْجَهَا العزيزَ، ذلك الثائرَ المغوارَ كيفَ كان مرْتَبِكًا، وهو جالسٌ على “الكوشة” في الصالة الممتلئة بالنساء. وبينما هيَ غارقة في دموعها لمْ تشعُرْ ببِنْتِ خالتها تالا وهي تجلس بجوارها علي الطاولة. كانت تالا صارخة في كل شيء، في زينتها، في أفكارها، في حياتها، وحتى في لون سيارتها، كانَتْ تريدُ أنْ تشرَبَ كأسَ الحياة الأرستقراطية حتى آخرَ قطرة. رتبتْ تالا برفقٍ على ظهْرِها قائلة لها “لا تَحْزَني يا ليلي, فعلى الأقل أنتِ لدَيْكِ ما لَيْسَ لدينا، أنت لديك الأمَل”  كان أسلوب تالا مفاجئًا لها، لكن تالا أكْمَلَتْ ” لا تستَغْربي فأنْتِ في أرْبَعة شهور وَجَدْتِ ما لمْ أجِدْهُ في عشرِ سنين، وجَدْتِ الحبَّ الصادِقَ، وَجَدْتِ الإهتِمَام. ألَمْ يَمْلأْ لكِ حديقة البيت القروي بالورود والأزْهار، صدِّقيني لوْ أعْطاني زوجي ورْدَةً واحِدَةً لانتَظَرْتُهُ طوال العمر” ومَسَحَتْ دموعًا لم تستَطِعْ أنْ تحبِسَها ثمَّ أكْمَلت بحسرة” أنْتِ في الليل تعيشينَ على حلمٍ جَميلٍ ولكنّي أنا في الليل لا أنْتَظر شيئًا، مجرد آلة عدٍّ للنقودِ أو صراف آليٍّ يشاركني الفراش”. ووسط أجواءِ الفرح والموسيقي الصاخبة في الصالة كانتْ هناك شابتان تبكيان. إحداهما تبكي حبيبًا غائبًا خلفَ القضبان، والأخرى تبكي حبًّا لمْ تعِشْه أبدًا.

                                                          *********

بدأَ المطرُ خفيفًا منعشًا، ثمَّ أصبَحَ متواصلًا و شديدًا، ولكنَّها لمْ تغادِرْ حديقةَ البيتِ رُغْم البلل. اختبأتْ تحتَ شجرة سروٍ قديمةٍ، وضَمَّتِ الرسالة إلى صدْرِها، و  تتأمل السحاب المسافر ما بين نابلس و سجن النقب الصحراوي.

                                                                  *******

و في الطابقِ العلوي من هذا البيتِ العريقِ الفسيحِ كانت والدتُها تجلسُ بجوار سرير زوجِها المريضِ تتأملُ قطراتِ المطر المتراقصة أمامَ زجاجِ الشباك الواسع. لم يكن لديها الكثيرُ لتفعله بعد خمسين عاماً من الزواج سوى الانتظار و كأنَّها أصبحتْ شجرةَ سروٍ عجوزٍ في محطة قطارٍ قديمة. كان لديها الكثيرُ من الانجازات لتتحدث عنها؛ زوجٌ غني، بيتٌ أشبه بالقصور، عائلةٌ كبيرة، أبناء و بنات و أحفاد، حياة مستقرة رغم ما مرت به البلادُ من كوارثَ على مرِّ عشرات السنين. لكنَّ زواجَ ابنتها الصغرى من ذلك الشاب القروي الطائش كان ضربةً قاسيةً على صدر والدها. كانت بمثابة قطار صغير انحرف عن القضبان و أخذ يجري بلا توقف بين الحقول.” لكنَّه الزمن”. كانت دائماً تراهن على أن الزمن كفيل بحل أقسى المشاكل، لذلك أدمنت الانتظار. ولم يخرجها من تأملاتِها إلا صوتُ همهمةٍ صادرةٍ من زوجها العجوز المريض الذي أصبح يقتربُ كلَّ يومٍ أكثر و أكثر من الموت. اقتربت منه كثيراً لتسمع ما يقول. كان صوتُه خافتاً ضعيفاً و كأنَّه خارجٌ من بئر

“اخبري ليلى أنها إذا لم تتطلق من زوجها فلن تحصل علي أي شيءٍ من الميراث.”

                                   …………………………………………………………….

(2)

“صبِ عليَّ العطر و انتظري  

 شهيداً غاب  بين الشمس و القمرِ

و دعي خُطايَّ نحو الباب تسبقني

إنِّي الحنينُ و أنتِ الدمعُ في الصورِ

إن كنتُ أغلالاً مسربلةَ  

 أو كنتُ مصلوباً على حجرِ

فلا تأسيَ لغربتِنا

ولا تبكِ على قدري

هذا الحديدُ كما الأسوار مندثرُ

يمضي الأنينُ و يبقى العطرُ في الصورِ ”                              

 

نظر أبو العبد إلى الأشعارِ التي تملؤ الحائطَ وقال:

“أتدري يا يوسف أنت أولُ شخصٍ اسمح له باستخدام جدارٍ كاملٍ لكتابة أشعاره عليها”

“وهذا وسامُ شرف أعتزُ به يا أبا العبد”

صمت أبو العبد قليلاً ثم قال بنبرةٍ تحملُ فرحٍ خفيٍ:

” وهناك سبب آخر غير إعجابي بأشعارك يا يوسف”

نظر يوسف بإستغراب إلى وجه أبي العبد الجالسِ على السرير المقابل في الزنزانة الضيقة، وسأل بفضولٍ ممزوجٍ بالمزاح

“أبا العبد؟ ماذا تُخبئ لنا؟”

“كلُّ خيرٍ يا يوسف إن شاء الله” وصمت برهة تأمَّل فيها تعابيرَ وجه يوسف الحائرة ثم أكمل:

” اليوم أخبرنا الاخوة في اللجنة العليا للسجون أن صفقة تبادل الأسرى أصبحت وشيكةً جداً، ربما مسألة أيام فقط “

تسارعت دقاتُ قلب يوسف وهو يقول:

“أنت لا تمزح يا أبا العبد أليس كذلك؟”

” أبعد خمسة وعشرين عاماً في الأسر أمزح في أمر كهذا؟ سامحك الله يا يوسف”

ولم ينتظر أبو العبد أسئلة يوسف المتوقعة وأكمل قائلاً:

“والأهم من ذلك أن الاخوة أبلغوني انهم وضعوا اسمك على اللائحة. فأنت عريسٌ جديد و زوجتك عانت كثيراً من أجللك”

انهمرت فجأةً كلُّ الأحلام واللحظاتِ الجميلة والرسائلِ القمرية على قلب يوسف دفعة واحدة حتى أنَّه لم يسمعْ صوتَ أبي العبد و هو يناديه:

“يوسف ….يوسف عد إلى هنا يا أحمق”

وعندما عاد يوسف إلى عالم الزنزانة الضيق، اعتذر إلى أبي العبد قائلاً:

” أنا آسف يا أبا العبد، أنا آسفٌ حقّاً. في غمرة فرحي نسيتُ أن اسألَ عنك، هل اسمك ضمن القائمة؟”

لم يستعجلْ أبو العبد الرد -لا حاجة للاستعجال في عالم الزنزانة الأبدي-وبعد أن تأملَّ جدارَ أشعارِ يوسف تنهّد قائلاً:

“لا أحد ينتظرني بالخارج يا يوسف، لا زوجة ولا أولاد ولا أبوين”

وحبس  دمعةً ساخنة كادت تنساب على خدّه و أكمل:

“بعد وفاة أبي، قسّم إخوتي الميراث ولم يتركوا شيئاً لي وكأنّي مت. كانت ثقتُهم بدوام الاحتلال قويةً جداً. لم يكن لديهم معنى لعقوبة السجن مدى الحياة سوى الموت عفناً في أقبية النسيان. ولا يحقُّ لمن اختار الموت أن يقاسمَهم ميراثَ الحياة. ربما كانوا على حق. ربما كانوا على حق يا يوسف. ربما أنا أخطأتُ حينَ تركتُ الشبابَ والجامعةَ والفتياتَ ومحلات أبي و حملتُ السلاح و يممتُ صوبَ الجبال و الكهوف في الليال الباردة، ربَّما كانوا على حق لكنْ دماءُ الشهيد موسى الحنفي في جامعة بيرزيت كانت ساخنةً جداً، كانت جداراً عالياً جداً لم أستطعْ تجاوزه. قالتْ لي علياء ذاتَ يوم:

” لا يمكنك أن تتحول في ليلة واحدة من شابٍ عاشقٍ لاهٍ إلى ثائرٍ مطاردٍ لمجرد أنَّ أحدَ زملائك في الجامعة سقط بين يديك”.

 وحاولت أن أنسى لكنّي لم أستطع. من أين يأتي هؤلاء الشهداء و لماذا يعبرون كلَّ هذه الجبال و الوديان ليموتوا في مدينة ليست بمدينتِهم؟. عندما أرادوا أنْ يعيدوا جثمانَ موسى الحنفي إلى حضن أمه قبلَ أن تخطفه قوات الاحتلال ألبسوه كوفيةً و نظارةً سوداءَ كبيرة و نصبوه في مقعدِ السيارة الخلفي بين اثنينِ من زملائِه و عادوا به ميتاً إلى أهلِه في رفح. أينَ تقعُ رفح هذه؟ قبلَ الشمسِ أم بعدَها؟ هل جاء يافعاً نضراً من أقصى بقعةٍ في الحقلِ الفلسطيني كي يموتَ هنا في بيرزيت, و أين؟ بين يديَ؟ وتطلبين مني يا علياءَ أن أنسى. لماذا لم ينتظروا إنتفاضة الحجارة كي يموتوا مع من ماتوا؟.  لماذا كلُّ شهداءِ جامعةِ بيرزيت قبلَ الانتفاضةِ الأولى في الثمانينات جاؤوا من غزة؟ شرف الطيبي، صائب دهب، جواد ابو سلمية و موسى الحنفي. هل تركوا بيوتَهم الصغيرةَ و مخيماتِهم الضيقةَ ليموتوا هنا في فضاءِ بيرزيت الواسعِ الجميل. لم أنسَ و لم أستطعِ القفزَ عن الجدارِ مع منْ قفزوا يا علياء”

و اختنقتْ الكلماتُ في حلق أبي العبد و حاول جاهداً مداراةَ الدموعِ التي انهمرتْ من عينيه. كانتْ لحظاتُ صدقٍ مؤلمة.

“لقد دخلتُ السجنَ ابنُ تسعة عشر عاماً و خلفيَ ثلاثُ محلاتٍ كبيرةً في رام الله و جيشٌ من الفتيات العاشقات. كلهم نسوني بعد السنةِ الأولى في السجن. أنا هنا في هذا السجنِ قبلَ هذه الجدران يا يوسف. أنا هنا عندما كان هذا السجنُ مجردَ أسلاكٍ شائكةٍ وخيامٍ متناثرة في الصحراء.  كنتُ في سنواتي الأولى أُمنِّي نفسي بالحريةِ القريبة و العودةِ المجيدة لفضاءِ الحياةِ الرحيب، لكن مع كلِّ يومٍ يمرُّ خلفَ هذه الجدرانِ القاسية كانتْ تسقطُ قطعةً آخرى من سفينةِ الأمل و ريشةٌ آخرى من أجنحةِ الأحلام. و كانتْ الضربةُ القاصمةُ بعدَ ثماني سنوات عندما جاءت السلطةُ الفلسطينيةُ إلى رام الله و خرجَ بعضٌ من زملائي من السجن و استبشرتُ كثيراً و انتظرت أكثر.

قال لهم أبو عمار رحمه الله ” أريد أبا العبد”

فقال له الإسرائيليون ” فلتنسَ الموضوع، هذا يدُّه ملطخةٌ بدماء الإسرائيليين”

وسقطتُ على الأرض  محطماً وقررتُ أن أنسى كل شيء. ستموت هنا يا أبا العبد في هذه الزنزانةِ الضيقة ويجبُ أن تتقبلَ هذه الحقيقةَ المرة. كنتُ في أسوأ حالاتي النفسية، و كنت على وشكِ الانهيار إلى أن جاءَ ذلك الشابُ الهزيلُ  من الخليل, لم يكن طوله يتجاوز المتر ونصف, و وزنه الستين كيلوغرام. كنت أقولُ له مازحاً:

“لو أنَّ ريحاً قويةً هبتْ على بلدتِك “يطا” لألقتْ بك في قاع الوادي”

لكنَّه كان أثقلَ من الجبال وأقوي من المحققين ومن سياسة الهزِّ العنيف القاتلة. كانت ابتسامتُه القرويةُ تملأُ الجبالَ وهو يصيح بنا في حماس “يا أخوة ألام الشبح يُزيلها الجري بعد الصبح”. و رغم أنهم كسروا كتفي عبد الصمد حريزات و قتلوه علي كرسي التحقيق منذ أكثر من خمسة عشر عاما , إلا أن روحه البرية ما زالت  تحلق في سماء السجن إلي اليوم.

و استدار أبو العبد بوجهِه إلى شباكِ الزنزانة الضيق و أخذ يلقي قصيدةً للأفق البعيد:

“لم تعترفْ

الجدارُ ملَّ من الانتظارِ و لم تعترفْ

في غرفةِ التعذيبِ ألقوكَ في بئرٍ بلا قرارٍ

و مرَّ الليلُ و لم تعترفْ

كسروا كتفيكَ

صرخوا فيكَ بصوتٍ مرتجفْ

“منْ أنتَ؟ و من أينَ أتيتْ؟ و لِمّ لَمْ تعترفْ؟”

           

عبد الصمد حريزات؟

منْ علَّمكَ الانتصارَ و الهواءَ مشبعٌ بالموتِ المحترفْ؟

ولم تعترفْ”

و صمتْ بعدَها أبو العبد طويلاً ثم استدار إلى يوسفَ و الدموعَ تملؤ عينيه:

” أتدري ما الفرقُ بيني و بينَ عبدِ الصمد حريزات؟ هو ثائرٌ بالرضاعة بينما أنا ثائرٌ بالصدمة. و من يومِ استشهادِه قررتُ ألا استسلمَ لهذه الزنزانةِ أبداً. نعم يا يوسف لقد وضعوا اسمي على قائمةِ الأسماءِ المرشحةِ للتبادل. و ربَّما أرى رامَ الله لأولِ مرة منذُ خمسٍ و عشرين عاماً. و إن شاء الله سأزورُ قبريّ موسى الحنفي و عبد الصمد حريزات في أقربِ فرصةٍ ممكنة. لكنْ أتدري ما المشكلةُ يا يوسف؟ قبرُ عبدِ الصمد في الضفة وقبرُ موسى في غزة ولا يمكنُ لمثلنا أن يزورَ القبرين معاً فإما الضفة و إما غزة.”

” ألن تزورَ علياء يا أبا العبد؟”

كان سؤال يوسف مفاجئً،  فتردد أبو العبد في الإجابة: 

“لقد كانتْ حلماً عابراً يا يوسف، ربما صمدتْ أكثرَ من غيرِها في الذاكرة لأنَّها كانتْ أكثرَ زميلاتي تعلقاً بي”

ثم صمتَ قليلاً و أنشدَ في شجنٍ:

“أجملُ ما في العمرِ أولُهْ

و أجملُ ما في الحبِ أولُه

و كلُّ ربيعٍ بيننا

يُمسي خريفاً بآخرِهْ

و يمرُّ الزمانُ كمرِّ الحِسانِ

و نبكي جميعاً على أولِهْ “

“الله عليك يا شيخَ الرومنسييين يا أبا العبد. أينَ كنتَ تخبئُ هذه الجواهرَ طوالَ هذه السنين يا أميرَ الجدرانِ الوردية.” 

ابتسمَ أبو العبد لتعليقاتِ يوسف ثم أكمل:

“أظنُها سافرتْ إلى أمريكا، و لقدْ رأيتُها قبلَ حوالي خمسةَ عشر عاماً على تلفزيون السجن تفتتحُ معرضاً للزهورِ في رام الله. كانتْ تتحدثُ بحماسٍ عمَّا أسمتهُ المقاومةُ بالزهور. ما شاء الله اليوم المقاومةُ بالزهور و رُبَّما غداً المقاومةُ بالويسكي، كم أنتِ مذهلةٌ يا رام الله!”

و ضحكِ يوسف العربي حتى احمرتْ عيناه.

                        …………………………………………………..

(3)

كانتْ ليلى متكأةً بذراعيها على شرفةِ منزلِ أسرتِها الواسعة تتأملُ غروبَ الشمس على جبالِ نابلس العريقة وخلفِها في صالة البيتِ الفسيحةِ كانتْ بقايا نساءِ العائلة وصديقاتِها المتشحاتِ بالسواد يتجاذبنْ أطرافَ الحديثِ في اليوم الثالث لعزاءِ والدِها. لم تكن ليلى تحبُ جلساتِ النساءِ في العزاء و فضّلتْ أن تخلوَ بنفسِها و بذكرياتِها في شرفةِ البيتِ الواسعةِ، ذلك المكانُ الأكثرُ قرباً إلى قلبِها في هذا البيتِ الممتلئِ بالذكرياتِ السعيدةِ و الأليمة. و لم تنتبهْ إلى أخيها باسمِ الذي دخلَ الشرفةَ بهدوءٍ و اقتربَ منها و قال لها بصوتٍ خافت:

” تفكرين في يوسف أليس ذلك؟ “

نظرتْ إليه و قالتْ متصنعةَ الغضب:

” كيفَ تدخلُ على عزاءِ النساءِ يا شاب يا محترم؟”

فأجابَها باسمُ ضاحكاً:

” نحنُ عائلةٌ منحرفةٌ أصلاً.”

و ابتسمتْ ليلى لردِّ أخيها و سألتْهُ:

” ما الذي جاءَ بكَ إلى هنا يا باسم؟”

” هل سمعتِ أخرَ الاخبار؟”

” أي أخبار؟”

” لقد علمتُ من بعضِ الأصدقاء أنَّ صفقةَ التبادل أضحتْ في لحظاتِها الأخيرة”

نظرتْ إليهِ ليلي و قالتْ في استغراب: 

” أصدقاء؟ باسم هل أنت  ……………؟”

فأومئ برأسِه والابتسامة على محياه:

” نعم أنا كذلك”

فتمتمتْ ليلى بذهولٍ ممزوجٍ بالفرح

” يا الله ماذا يحدثُ لهذه العائلة؟”

” وقد علمتُ أيضاً أن يوسف على قوائم المرشحين للصفقة”

لم يبدً على ليلى الارتياحُ للأخبار التي حملها أخوها، وعادتْ لتأملِ لحظاتِ غروبِ الشمس الأخيرة بين جبال عيبال وجرزيم.

” لا أريدُ أنْ أسرفَ في التفاؤل يا باسم، لا أريدُ أن أصعدَ إلى قمةِ الجبال و أسقطُ من هناك في الوادي السحيق، لقد حلقتُ كثيراً و سقطتُ كثيراً في السنوات السبع الماضية يا باسم.”

ولم يعقبْ باسم فقد كان يعلمُ أنَّ هذه القوائم أوليةٌ وهي قابلةٌ للتعديل في أي لحظة. وأخذ يتأملُ مع ليلى الأفقَ البعيد. وجاء صوتُ أذان المغرب من مساجد المدينة ليضفي على المكان إحساساً شجياً ساحراً:

” كنَّا في ساحاتِ المسجد الأقصى في اليوم الرابعِ عشر من رمضان, وقبلَ حوالي نصفِ ساعة من آذان المغرب جلسنْا تحتَ إحدى الأشجارِ الباسقةِ الممتدة ما بين بابِ الأسباط والمصلي المرواني. لا يمكنُ أن تراقبَ غروبَ شمسٍ في حياتك أجملَ من ذلك اليوم. وحامت حولَنا حمامةٌ بيضاءُ جميلةٌ ثم حطّتْ على غصن قريب فأشار إلى يوسف بيده ألا أتحرك حتى يلتقطَ لي صورةً معَها وتحرك على أطرافِ أصابعِه بهدوء محاولاً التقاط الصورة مع الحمامة، ولكنَّ الحمامةَ طارت قبلَ أن ينجحَ في ذلك. فقال لي مبرراً:

“يبدو أنّها حمامةٌ محافظةٌ لا تحب التقاط الصور”

فقلتُ له ضاحكةً:

” محافظة؟ ألست أنتَ القائل يا أميرَ الشعراء:

“أنا في القدسِ كالقدسِ وكلُّ القدسِ عنواني

طيورُ السورِ تعرفني وزهرُ اللوز أدماني”

فلماذا هربت منك الحمامة إذاً يا بطل؟”            

                     ………………………………………………………………..

(4)

” أيُّها الاخوة كما تعلمون فقد وصلنا للمراحلِ النهائية في صفقة تبادل الأسرى مع الجندي الإسرائيلي شاليط. وخلال يومين إن شاء الله سيتم الافراج عن إخواننا المعتقلين، وقد تسلمتُ لتوي القائمة النهائية للأسرى المشمولين في هذه الصفقة من هذا القسم. والآن سأتلو على حضراتِكم أسماءَ المعتقلين العشرة الذين وقعَ عليهم الاختيار من هذا القسم……”

وأخذ أبو معتصم رئيس قسم “ثلاثة” في سجن النقب يتأملُ وجوهَ الخمسين معتقلاً الذين تجمّعوا حوله في انتظار الأملِ و قواربِ النجاة من هذا القبر المظلم، ثم تنهدَّ بعمقٍ و بدأ بتلاوةِ الأسماء بصوتٍ رزين يترددُ صداه في سماءِ باحةِ السجن

” سعيد محمود الغطاس “أبو وديع”

و تعالتْ صيحاتُ التهنئة و التبريكات من زملاء أولِ الطيورِ المغادرة إلى فضاء الحرية الواسع. لكنَّ مسؤولَ القسم توسلَ إليهم أن يؤجلوا الاحتفال قليلاً حتى ينتهي من قراءةِ جميع الأسماء. وبعد أن عاد الهدوءُ أكملَ أبو معتصم تلاوة الأسماء:

” عوني علي الجعبري “أبو علي”

علاء عبد الكريم الريماوي

 محمد حسن مرتجى ” أبو حسن”

علي أحمد المصري

خالد محمد منصور “أبو العبد”

ودوتْ في سماء السجن صيحاتُ الفرحِ و التهليلِ و التكبيرِ ،والتفَّ الأسرى حول أبي العبد مهنئين ” ألف مبارك يا أبا العبد” ، ” أخيراً يا أبا العبد” ، ” دير بالك على رام الله يا أبا العبد” و حاول أبو العبد أن يبدو متماسكاً، و لكنَّ شلالاً من الدموعِ انهمر من عينيه كأمطارِ رام الله. جاءت إليه كلُّ الأشياء فجأةً في هذه اللحظة شوارع رام الله وطرقات الجامعة وأزهار اللوز المبلل بالمطر وعصافير الطفولة وجنازة موسى الحنفي. لم يتمالك أبو العبد نفسُه و لم يعد يقوى على الوقوف، فاستند بظهره على الحائط و استلقى على الأرض. وخلافاً لأوامره التي ألقاها فقد احترم أبو معتصم مشاعر أبي العبد و انتظر حتى انتهى الجميع من تهنئته ثم قال له بلهجةٍ حانية:

“سأفتقدُك كثيراً يا أبا العبد. لا تنسى أن تراسلني بعد ان تخرج من السجن”

ثم أكمل تلاوة الأسماء الباقية:

” مراد حمدان حلس

أحمد موسى عبد الهادي ” أبو معاذ”

 محمد جميل البرغوتي

ثم صمتْ قليلاً قبلَ أن يقرأَ الاسم الأخير على القلوب المتلهفة وكان قلبُ يوسف يدقُّ بشدةٍ و كانت ليلى طيفاً وردياً يمتدُّ من صحراء النقب إلى جبال عيبال و جرزيم:

” الاسم الأخير في القائمة هو:

  يوسف أحمد العربي. “

عن عبد الرحمن مهنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Translate »