الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
آخر الأخبار
علي نزال قلب نابض بالأمل، وإصراره يقتل سجّانه

علي نزال قلب نابض بالأمل، وإصراره يقتل سجّانه

 آيات صوالحة

من تلك السجون المعبقة برائحة الموت ولدت الحياة والحرية، واستطاع فرسانها أن ينجبوا أطفالهم دون أن يمنعهم الكيان الصهيوني من ذلك، من تلك السجون سطر الأسرى رسالة أمل ومحبة، وكتبوا في سجلات الحياة أطفالا لن ترهبهم قسوة سجان ولن تقف أمامهم العوائق، فهم كما أتوا رغم أنف الصهيوني سيعيشون أيضا رغم أنفه.

من هنا تبدأ الحكاية من قصة الأسير الأردني علي شريف رافع نزال الذي ولد في الكويت بتاريخ 7 / 9  / 1972 م ، ودرس الابتدائية في مدارسها، ثم عاد مع أسرته الى الأردن وترعرع فيها، وتنحدر أصوله من مدينة قلقيلية في فلسطين المحتلة.

ولكن حب علي لفلسطين دفعه لمحاولة زيارتها بكافة الوسائل المتاحة إلى أن حانت فرصة اللقاء عام 1997 م حيث حصل على تصريح زيارة لمدة ثلاثة شهور مع والده، وعندما انتهت هذه المدة لم يستطع أن يترك محبوبته ويعود، هو حلمه الذي طالما انتظره، لذلك قرر سريعا ودون تردد أن يستقر في فلسطين.

وكانت أولى خطوات استقراره في الأرض المباركة هي خطبة من ستشاركه حياته بحلوها ومرها فكان له ذلك في عام 1998، وتزوج عام 2001 ، وبالرغم من أن الأسير نزال كان يعيش مخالفا – وفقا للقانون الصهيوني – على أرض فلسطين إلا أنه لم يأبه لهذه الترهات فهي أرضه التي أحبها وهو بعيد عنها فكيف عندما أصبحت تحتضنه ويحتضنها.

ولأن القول والقلب وحدهما لا يكفيان فقد أتبعهما علي بخطوة عملية شاهدة على حبه لهذه الأرض، فالتحق بصفوف كتائب عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” –  وكانت له صولات وجولات، سهر الليالي وأعد العدة وكل ذلك دون معرفة من زوجته أو عائلته جميعها فقد كان يعمل بصمت.

استمر علي في عمله عدة سنوات، حتى جاءت لحظة الفصل وبتاريخ 5 / 4 / 2007 اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال بيت نزال واعتقلته على مرأى من زوجته وبناته الثلاثة جنان ودانية ونور التي كانت رضيعة في ذلك الوقت.

وعن لحظة الاعتقال تقول أم شريف زوجة الأسير علي نزال: “كانت لحظة الاعتقال من أصعب اللحظات، فقد تأثرت بها كثيرا، ومررت بظروف صعبة خاصة بعد أن قامت قوات الاحتلال بهدم البيت بكل محتوياته بعد اعتقال زوجي بأسبوع دون سابق إنذار”.

وتكمل ” أم شريف” : ” بحثنا عن بيت نسكنه بالأجرة فانتقلنا من بيت إلى آخر بينما كان زوجي يتنقل بين السجون، فبدأ رحلة معاناته في مركز تحقيق “الجلمة” وقضى أشهرا طويلة فيه، وبعدها نقل إلى سجن “مجدو” وقضى داخله  3 سنوات، ثم انتقل الى سجن “جلبوع” ، وبعد قضائه سنتين في هذا السجن تم نقله إلى سجن “ريمون” الذي يقبع فيه حاليا،  بعد أن أصدرت المحكمة الصهيونية حكما بسجنه مدة (20) عاما بتهمة انتمائه لحركة حماس ومقاومة الاحتلال ومحاولة وضع سيارة مفخخة داخل الكيان الصهيوني”.

ولأن الأسير يعتبر زيارة الأهل له نوعا من أنواع الفرج، فإن سلطات الاحتلال تتفنن بحرمان الأسرى من هذا الحق تحت ذرائع واهية، فزوجة الأسير نزال زارته مرتين فقط ثم صنفت ضمن الممنوعين من الزيارة “أمنيا”، وتضيف زوجة نزال: ” يسمح الاحتلال لأطفالي أن يزوروا والدهم زيارة واحدة شهريا ولكن لصغر سنهم أرسلهم أحيانا مع أهالي أسرى أعرفهم لأنهم لا يستطيعون الذهاب وحدهم، وأنا مضطرة لذلك لأنها الطريقة الوحيدة ليتواصل علي معهم ويراهم، وحتى يدخلوا له الملابس، ولكن إرسالهم وحدهم لا يتكرر في كل شهر وهذه معاناة كبيرة بالنسبة لنا”.

ولأن الأسير يتحدى كل ظروفه الصعبة فقد لمعت الفكرة في رأس علي وقرر أن ينفذها، فاقترح على زوجته أن يقوم بتهريب نطفة من داخل السجن دون علم الاحتلال بذلك حتى تقوم بعملية الزراعة.

وتعقب أم شريف على هذا الاقتراح قائلة: “بالبداية رفضت الفكرة، ولم أستطع استيعاب الموضوع، كما أن العائلة رأت الموضوع صعبا للغاية، ولكن بعد عامين من التفكير في الموضوع تمت الموافقة خاصة عندما قام عدد من الأسرى بتنفيذه ولأن زوجي كان مصرا على إتمامه، وقررنا أن تُهرب النطفة ونقوم بعملية الزراعة، والحمدلله رزقنا الله بشريف” .

وتكمل أم شريف: “أدهش هذا الفعل الاحتلال ، وقاموا بفرض عقوبات على زوجي وتعرضت أنا أيضا للتحقيق لمعرفة كيفية وماهية الطريقة التي اتبعناها بالتهريب ولكن دون جدوى، وفي المقابل زاد تعنت السلطات الصهيونية بشكل كبير تجاه منعي من الزيارة ورفضي أمنيا، كما رفضوا دخول شريف إلى السجن لرؤية والده” .

وتؤكد أم شريف أن الإصرار على حقوقهم وتحدي العدو مستمر رغم كل الحصار على العائلة، ورغم كل المعاناة التي تعانيها، حيث كان شريف من ثمرات هذا التحدي فجاء إلى هذه الدنيا رغم أنوف الاحتلال، وهو ما زاد الأمل في قلب علي وزوجته.

لم تُخفِ أم شريف أنها كانت متفائلة جدا بأن يكون زوجها ضمن صفقة وفاء الأحرار، ولكنها صابرة ثابتة وتنتظر اليوم الذي يخرج فيه زوجها عالي الهامة والشأن، وتكمل أم شريف: “الآن بأسر شاؤول نحن متأملين جدا بأن يكون الفرج لزوجي ولجميع الاسرى بإذن الله، كما أتمنى أن أرى ذلك اليوم الذي يجتمع فيه شمل العائلة ويعود الوالد لأطفاله”.

ولأن فراق الوالد صعب، لم تتخيل جنان وأخواتها معنى السجن وكيف يعتقل الإنسان المجاهد، ولكثرة أسئلتهن تطلب والدتهن منهن دائما الدعاء لوالدهن، وتجيبهن عن بعض هذه الأسئلة، ولكن أم شريف تجد أن هذه المهمة: “صعبة جدا وشعور حزين عند إجابة أطفال عما يدور برأسهم من أسئلة، وخاصة عندما يفتقد الواحد منهم والده في كل المواقف، أحاول أن أبسط الامور لأطفالي كي يفهموها، ولكن ولله الحمد هم على معرفة تامة أن والدهم بطل وشجاع ودافع عن وطنه وأنه شريف وطاهر ويسير على نهج إسلامي قويم وبالتالي هو قدوة لهم، كما يعلمون تماما أنه ضحى بكل شيء من أجل الدفاع عن الوطن والارض فهو صاحب إرادة قوية واستطاع أن يقهر العدو”.

وتستعين أم شريف في هذه المعاناة التي ما زالت مستمرة بالصبر وتدعو بناتها بأن يصبرن على فراق والدهن، وتقول: ” أملنا بالله كبير وندعو الله أن يفرج همه وأن يفك قيد جميع الأسرى عما قريب بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز”.

ووجهت كلامها للمقاومة قائلة: ” نشد على أيدي المقاومة ونحن معهم، وأقول لهم تمسكوا بمبادئكم ولا تنسوا موضوع الأسرى وفاوضوا عليه حتى نشهد صفقة تبادل قريبة جدا بإذن الله”.

 وقصة الأسير الأردني علي نزال لم تعد وحدها شاهدة على حجم الإصرار والتحدي الذي يسكن قلوب الأسرى، ولم يعد خافيا على أحد ما يعانيه السجّان ودولته المارقة من يأس وفشل في قتل ذلك الأمل النابض خلف القضبان، الذي لن يرضى بأقل من الحرية.

عن عبد الرحمن مهنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Translate »