الإثنين , 20 نوفمبر 2017
آخر الأخبار
معشوقة الاسرى .. بقلم الأسير طارق سلمان ( سجن ريمون)

معشوقة الاسرى .. بقلم الأسير طارق سلمان ( سجن ريمون)

رغم ارتفاع سعر موادها في السجن وصعوبة تجهيزها وطول فترة تحضيرها، إلا أنها تبقى الوجبة المحببة والمفضلة للأسرى ، تلك الوجبة الساحرة التي يتنافس عليها الأسرى، ويبذلون الغالي والنفيس من أجل أن تخرج في أحلى منظر وفي أطيب طعم، ألا إنها الفلافل.
الفلافل تلك الوجبة التي كبرنا معها منذ أن كنا في مقاعد الدراسة وفي العمل وفي المنزل مع الأهل والأحبة، كنا نشتريها من أطيب المطاعم والمحلات، التي كانوا يتنافسون على تقديمها كلٌ بطريقته المبتكرة، وبإضافة المكملات والنكهات كالبندورة والخيار والمخللات، ولا تنتهي عند حد معين ؛ بل ويضيف البعض لها الحمص الناعم والسمسم على قرض الفلافل، ومنها ما هو محشي بالبصل المتبل بالسمّاك والتوابل الخاصة، وكنا نشتريها بأرخص الأثمان كيف لا وهي وجبة الفقراء والمساكين، وكي لا أظلمها فهي وجبة المتذوقين وأصحاب الذوق الرفيع أيضاً.

 
أما في سجون الاحتلال الاسرائيلية فهي وجبة الجميع المفضلة أيضاً، أكان أسيراً قديماً أمضى عشرات السنوات أم جديداً لم يدخل بالسنة الأولى بعد، لكن يبقى هناك فروق كبيرة بين قرص الفلافل المحضر بالخارج وقرص الفلافل الذي ينتجه الأسرى، من بهارات وتوابل وحتى خضار.
أما عن كيفية تحضيرها تبدأ العملية باقتطاع جزء من الطعام الذي تحضره إدارة مصلحة السجون للأسرى، من بندورة وخيار وغيرها ومن ثم تبدأ الطقوس بوضع الحمص الناشف في الماء، ونقعه لمدة يوم كامل، ومن ثم يُدق جرس بداية جولة من المصارعة مع حبات الحمص حيث يقوم فريق بنزع القشر عن حبة الحمص، ويبدأ ذوي العضلات المفتولة بدقّها وطحنها من خلال مدقات مصنوعة بيد الأسرى، إما بفوهة عبوة العصير، أو إحدى الكاسات البلاستيكية، وتستمر هذه الجولات لأكثر من ثلاث ساعات، من دقّ وهرس وتصفية ما لا يدق في المصفاة؛ لتعاد الجولة من جديد إلى أن تخرج عجينة الفلافل كاملة كأنها عُجنَت في ماكنة كهربائية، ثم توضع الخلطة الخاصة التي تتضمن البهارات المتوفرة، والثوم والبصل ومن ثم تخمّر العجينة وتوضع في ثلاجة إلى ساعات المساء؛ من أجل تجهيزها لوجبة العشاء.
وأثناء وجود عجينة الفلافل في الثلاجة تبدأ عملية إعداد السلطات الخاصة بالفلافل ويكون الأسرى قد اقتطعوا أجزاء من طعامهم لمثل هذا اليوم الذي لا يتكرر إلا بالشهر أو الشهرين مرة واحدة.
وبما أن إدارة مصلحة السجون تقدم شبه يومي للأسير نصف حبة بندورة ومثلها من الخيار، يتم تجميعها ليوم العرس الكبير “يوم إعداد الفلافل” ويقوم فريق آخر بإعداد قالب لوضع عجينة الفلافل به، حتى تخرج قرصاً كاملاً كالقمر في منتصف السماء الليلية، ويتم إعداده وتصنيعه من فوهات عبوات “البدين” المخصصة لغسيل الثياب وتعطيرها.
ويُأتي بالعجينة ويوضع الزيت في المقلاة ويبدأ أحد الأسرى بقلي الفلافل، ويقوم آخر بتعبئة الساندويشات للأسرى، وفي هذه اللحظات تخرج رائحة القلي ورائحة الفلافل الزكية، إلى باقي الغرف وهنا تسمع صراخ الأسرى ومناداتهم “ما تنسونا بساندويش أو قرص واحد على الأقل”، ومنهم من يرسل رسائل لسكانت الغرفة ويطلب الفلافل،وهنا تتماثل هذه الطقوس مع طقوس شهر رمضان خارج السجون عندما ترسل العائلات الصحون المليئة بأشهى الأطعمة للجيران والأصدقاء، وكذلك الأسرى يقومون بإرسال ساندويشات قد اقتطعوها من حصتهم أو بأقراص من الفلافل لأصدقائهم وأحبائهم في الغرف الأخرى، فهو يحسب حساب أن هذه الغرفة أو تلك تقوم بصنع الفلافل في الأيام القادمة.
في نهاية اليوم يخرج الجميع مسرورين فرحين، لكن تبقى رائحة القلي والزيت على الملابس وعلى جدران الغرفة ليوم أو اثنين، حيث تضم جدران الغرفة بين جنباتها غرفة النوم والمطبخ وغرفة ضيوف ودراسة و جامعة وباختصار جميع أشكال الحياة في الأسر.

 

 

عن عبد الرحمن مهنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Translate »