السبت , 18 نوفمبر 2017
آخر الأخبار
نسمة الحلبي : ليس بكائيات بل نسمة حياة من الداخل

نسمة الحلبي : ليس بكائيات بل نسمة حياة من الداخل

أدب السجون مستمرٌّ في إنتاج عناوين مختلفة في أشكال أدبية وفنية متنوّعة. في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أسرى فلسطينيون يواجهون القمع والمهانة والتعنيف اليومي بالكتابة التي تتسلّل إلى خارج الزنازين لنشر بعض الجوانب الإنسانية في الصراع الدائم بين الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي. التحقيق الصحافي هذا يُضيء بعض وقائع العيش في الزنازين الإسرائيلية، وكيفية مواجهة القمع والعنف بالكتابة.
جدران «قصر رام الله الثقافي» ومقاعده شاهدٌ أول على ولادة فيلم بعد مخاض عسير (مستلّ من رواية «ستائر العتمة» للأسير المحرّر وليد الهودلي)، ما زالت أقبية سجن «الفارعة» تحفظه جيداً، وتستشعر عذابات الأسرى فيه على أيدي المحقّقين والسجّانين الإسرائيليين، ليروي عتمة تُخبّئ اللامعقول من العذاب، ويكشف عن الزنازين المبهمة لمن تتردّد أنفاسه في الفضاء الرحب بحرية.
«كل مَن يستعصي علينا في التحقيق، نكتشف أنه قرأ روايتك». هكذا قال المحقّق الإسرائيلي لوليد الهودلي، عندما أراد معرفة سبب إحالته إلى الاعتقال الإداري لـ 20 شهراً. لم يكن المحقّق يدرك أن كلّ تجديدٍ للإداري يتمخّض عنه عمل أدبي جديد للهودلي، الذي أنهى محكوميته بعد نحو 10 أعوام متواصلة، تلتها اعتقالات متعدّدة، بنتاج أدبي تمثل بـ 15 كتاباً ومسرحيات وأعمال خاصة بأدب الأطفال. أمثاله من الأسرى الكُتّاب كُثُرٌ أيضاً.
عاش المعتقلون الأوائل حصاراً ثقافياً بالمعنى الحرفي للكلمة. فالدفتر والقلم والكتاب ممنوعة كلّها. استثنت إدارة السجون الكتب المنسجمة والمتوافقة مع توجّهاتها في تفريغ الفلسطيني من قناعاته ومعتقداته، وكان شعار الأسرى في سبيل اقتناء الكتاب منذ البداية: «سنكافح بشتى الوسائل المشروعة وحتى غير المشروعة للحصول على الكتاب الجيّد. مستعدّون لأن نفقد ضحايا في سبيل الكتاب». هذا ما حصل، إذ قام الأسرى بخطوات نضالية شتّى إلى أن حصلوا على الكتب من الصليب الأحمر الدولي، وعبر زيارات الأهالي، وأنشأوا مكتبات خاصة وعامة في المجالات كلّها.

حصار
يقول الهودلي: «قبل العام 1979، كنّا نستعين بورق علب السجائر للكتابة. لم تتوفر لنا إلاّ أقلام الرصاص، وعدد الكتب محدودٌ جداً، يتاح لنا الحصول عليه عبر الصليب الأحمر. كان يفرض على الأسير العمل في مصانع للجيش الإسرائيلي أو إدارة مصلحة السجون ليُسمح له بالقراءة. ولإخراج الكتابات كان الأمر أعقد. إنتاجات الأسرى الأدبية تهرَّب بوسائل عديدة، بـ «كبسلتها»، أي جعلها تبدو ككبسولة دواء يبتلعها الأسير قبل موعد الإفراج عنه بوقت قصير ليتمكن من إخراجها لاحقاً. أو بكتابتها بخط صغير، وتهريبها عبر شبك الزيارات، وأيضاً عبر المفرج عنهم، أو بالتنقيل، أو التصوير عبر الهواتف النقّالة المهرّبة».
يضطرّ الأسير الكتابة تحت ضغط الوقت والأعصاب، لإخراج معاناة الأسرى من السجون عبر الكتب والروايات. يستحضر الهودلي ما حدث معه أثناء كتابته «ستائر العتمة». يقول: «كنت أتواجد حينها في سجن عسقلان. أُبلغت نهار الخميس بقرار نقلي صباح الأحد الذي يليه إلى سجن هداريم، ولم أكن قد أتممتُ روايتي. أُصبت بحَيْرة: هل أتركها لزملائي من دون تتمة، أم أهرّبها معي، وهذا خيار شبه مستحيل؟ كان قراري ألاّ أغادر عسقلان قبل إتمامها، فعكفت عليها مواصلاً الليل بالنهار في الساعات القليلة المتبقية لي قبل النقل، لإنجاز ما تبقى منها. كتبت نحو 60 صفحة، وسلّمتها لرفاقي لتهريبها بمعرفتهم بعد انتقالي. ما فعلته تحدياً كبيراً لا يغيب عن ذاكرتي. أما «ليل غزة الفسفوري»، فاحتفظت بنسخة منها، وتركتُ أخرى مع أحد الأسرى، الذي كان ينقلها تدريجياً عبر اتصاله الدوري بزوجته لربع ساعة فقط في المرة الواحدة. كتبتها على مراحل، قبل نقلها كاملة خارج السجن».
«الشتات»، و «قلبي والمخيم»، و «لن يموت الحلم»، و «صرخة من أعماق الذاكرة»، وغيرها. إنجازات كتابية أثْرت الأدب داخل المعتقلات، تأليف الأسير المحرر رأفت حمدونة (اعتقل بين العامين 1990 و2005)، الذي عاش تجارب عدة فترة اعتقاله، ساعياً إلى إحياء الروح وإثبات الذات بالثقافة والعلم. يتحدث عن عزله في «نيتسان الرملة» لعامين (نهاية 1990 ـ حزيران 1992): «منعت عنا إدارة السجون كلّ أشكال الثقافة وأدواتها. بالكاد تمّ توفير القلم والورقة بعد إضرابات سابقة للأسرى في السجون. الكتب قليلة جداً. لا وجود للصحف العربية والتلفاز، وجهاز الراديو هرّبته أثناء انتقالي إلى المحكمة في سجن عسقلان. كان يُسمح بإدخال الصحف العبرية، ويترجمها أحد الأخوة، ويقرأها علينا ليلاً ونحن نقف أمام الأبواب. في هذا العزل، كتبتُ «نجوم فوق الجبين» عن عملية التنظيم، وعمليات الانتفاضة الأولى، وظروف العزل والسجون».
الحياة الثقافية التي يحاول الأسرى انتزاعها من إدارة السجون الإسرائيلية حقٌّ مشروعٌ أكدت عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، التي تطرقت لحقّ المعتقلين بممارسة أنشطتهم الثقافية والتعليمية والدينية والذهنية والبدنية والترفيهية والرياضية، وتوفير الأماكن والإمكانيات اللازمة لضمان ذلك. لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم يوماً بأي اتفاقية. وبدلاً من توفير أجواء الثقافة والدراسة والانتساب إلى الجامعات، تعامل مع الأسرى الفلسطينيين كمجموعات عدائية خارجة على القانون، وأعدّ العدة لتحطيمهم أمنياً وأخلاقياً وثقافياً وتعليمياً.

أشكالٌ ثقافية
مع ذلك، سجلت الحركة الأسيرة على مدار تاريخها أشكالاً للحياة الثقافية داخل السجون، وكان تنظيمها بشكل أساسي مهمة التنظيمات السياسية، لتصوغ كلّ منها أجندتها الثقافية وأنشطتها المختلفة. كانت تتنوع أشكال الأنشطة هذه: جلسات ثقافية، نشرات، مجلات، ندوات، مسابقات، دروس ومواعظ. وكان يتفاوت وجودها وزخمها من سجن إلى آخر، بناء على الكفاءات الموجودة، والقادرة على إثراء المشهد الثقافي، فبرزت في المعتقلات مرجعيات متخصّصة من الأسرى في العلوم المختلفة. كانت أروقة السجون تتحوّل إلى ما يشبه صفوفاً دراسية تُدرَّس فيها اللغات العبرية والإنكليزية والإسبانية وغيرها، ويُشرَح النحو العربي، ومواد أخرى في التاريخ والفلسفة والأدب، وامتلأت أوقات «الفورة» بالنقاشات والتحليلات السياسية لما يصل من أخبار المستجدات السياسية والدولية، والثورات والمتغيرات العربية. هذه اللقاءات اليومية تحوّلت إلى تقليدٍ ما زال متّبعاً لغاية الآن.
حراكٌ ثقافي ونتاج أدبي يُشار إليهما بالبنان أفرزتهما محاولات نضالية للأسرى على مدار تاريخ الحركة الأسيرة. لكنها تواجه مخاضاً عسيراً لترى النور، كما يقول وليد الهودلي: «أن يشقّ العمل الأدبي طريقه خارج السجن، فهذا أمر صعب وتحدّ كبير. إذا تمكّن من ذلك، فهو يلقى دعماً قليلاً، لأن الإهمال خارج السجن ـ رسمياً وغير رسمي ـ واضح، وتأمّلات الأسرى لا ترقى إلى مستوى تطلعاتهم. على الأسير أن يفرض نفسه بإبداعه ككاتب، وكمسوِّق ومتابع للإخراج الفني وغيره. يضطلع بالأمور كلّها بنفسه، ويسعى إلى العثور على الدعم المطلوب». يضيف: «شخصياً، اعتمدت هذا النهج في نشر كتاباتي وترجمة بعضها إلى أفلام. «ستائر العتمة» بجزءيها وثّقت تجربتي الاعتقالية وما تخلّلها من تفاصيل تفضح الأساليب الإسرائيلية التي تسعى إلى تنخيل الذات المقاومة، ودفعها إلى الإحباط واليأس والركونية. باتت فيلماً توثيقياً لاقى إعجاباً واسعاً محلياً ودولياً، لكن مخاضها عسيرٌ، إذ قُدرت تكاليف إنجازه نحو 150 ألف دولار أميركي دفعتها جهات خاصة من دون أي مساهمة من المؤسسة الرسمية». في الإطار نفسه، يقول رأفت حمدونة: «التنظيمات وبعض المؤسسات الخاصة تهتم غالباً بهذه الأدبيات، فيتسنى لها النشر. أحياناً، تساهم علاقات الأسرى أنفسهم بمهتمين وقادرين على الدعم في عملية النشر. هناك كُتّاب كثيرون في السجون من ذوي التجربة، لهم أعمال أدبية مهمة، ظُلموا لعدم قدرتهم كأفراد على تدبير أمورهم. ما طُبع ونُشر قليل جداً قياساً إلى ما لم يُطبع». يُرجَع الأمر إلى أسباب عديدة: مصادرة المواد من إدارة السجون إثر إتمامها، وقبل التمكن من تهريبها وإخراجها. قصور المؤسسات في التعامل معها في الخارج. عدم قدرة الأسير على توثيق مادته كما يجب، على الرغم من أهميتها».

مؤسّسات رسمية
عن دور الجهات الرسمية، الذي يراه كثيرون غائباً عن دعم النتاج الأدبي للأسرى، يقول مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينية عبد السلام عطاري إن الوزارة دعمت ـ بين العامين 2009 و2014 ـ نحو 20 عملاً من أدب المعتقلات، مضيفاً أنها تولي أهمية أولى للأعمال الأدبية للأسرى، بهدف توثيق التجربة الفلسطينية بنشرها، ولافتاً الانتباه إلى أن «الأدب أدب والنص نص»، في إشارة منه إلى تحييد النصوص عن العاطفة، والاعتماد على تقييم المتخصصين لها إنْ كانت صالحة للنشر أم لا: «نسعى دائماً إلى توثيق تجربة المعتقلين النضالية أو الاعتقالية. إذا توجّه إلينا كاتب أسير مبدع، أو غيره ممن يتناول تجارب اعتقالية (شعر، نثر، رواية، نقد)، نعطيه أولوية النشر. نشرنا سابقاً أعمالاً عديدة. لا أعتقد أن الوزارة ستقصِّر إذا كان العمل يستحق. مَن جاء إلينا دعمناه. مِن المجحف أن تُدان المؤسّسة الرسمية. أُرجع هذه الاتهامات بالتقصير إلى غياب الأداة الإعلامية والدور الترويجي لجهود الوزارة في هذا الشأن». يؤكد عطاري أن ما نُشر «مدهشٌ»، وأنه حقّق رؤى نقدية إيجابية، «فكتابات الأسرى لا تقتصر على البكائيات، لحملها نماذج للانتصار والأمل، تخرج من ظلمة الزنازين، بعد مواجهتها مخاطر كثيرة، كي تحكي عن الحياة». وعن آلية التقدّم للوزارة بطلب دعم، أوضح عطاري أن هناك استمارة يُفترض بطالب الدعم ملأها، تُرسل إلى «الصندوق الثقافي» الذي يتبنّى أنشطة أدبية أو سينمائية أو مسرحية، وتتمّ الاستعانة بلجنة من خارج الوزارة لقراءتها المشاريع بعيداً عن بيروقراطية العمل الوزاري، مستندة إلى جهات مختصة ذات خبرة. وحول إمكانية تبنّي الوزارة تحويل الروايات إلى أفلام أو مسرحيات، أشار إلى أن أيّ عمل يمكن ترجمته إلى سيناريو، ويتقدم صاحبه من الوزارة، التي تقدّم الدعم المالي قدر المستطاع، ولو بمساهمة تتناسب والإمكانيات المتاحة.
في ظل هذا الواقع، تزداد المطالبة بحماية أدب السجون من البعثرة والضياع، والعمل على جمعه ضمن تصنيفات منسقة، والسعي إلى الترويج له عربياً، وترجمته لمخاطبة العالم. أدب يستحق «مكتبة وطنية فلسطينية خاصة به»، انطلاقاً من كونه يُسطَّر بالدم والتضحيات، بعيداً عن هدوء الصالونات الأدبية وفخامتها. إنه إبداع شريحةٍ فلسطينية يجابهها الاحتلال الإسرائيلي بكلّ الوسائل لتفريغها من محتواها الثقافي والنضالي والإنساني. إنه إبداع يُقاوم بطريقته غياهب السجون، وأقبية التحقيق، وظلمة الزنازين.

عن عبد الرحمن مهنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Translate »